خطبة الجمعة القادمة بعنوان : المِهَنُ في الإسلامِ طريقُ العُمرانِ والإيمانِ معًا، أ. د. عبد الغني الغريب
خطبة الجمعة القادمة بعنوان : المِهَنُ في الإسلامِ طريقُ العُمرانِ والإيمانِ معًا، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 4 شعبان 1447هـ ، الموافق 23 يناير 2026م.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 23 يناير 2026م بعنوان : المِهَنُ في الإسلامِ طريقُ العُمرانِ والإيمانِ معًا . للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب
العنصرُ الأوَّلُ: دعوةُ الإسلامِ إلى العُمرانِ.
العنصر الثاني: الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم وطريقُ العُمرانِ.
العنصرُ الثالثُ: السلفُ الصالحُ والنهوضُ الحضاريُّ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 23 يناير 2026م بعنوان : المِهَنُ في الإسلامِ طريقُ العُمرانِ والإيمانِ معًا : كما يلي:
المِهَنُ في الإسلامِ طريقُ العُمرانِ والإيمانِ معًا
وسوفَ يدورُ حديثُنا حولَ العناصرِ الآتيةِ:
العنصرُ الأوَّلُ: دعوةُ الإسلامِ إلى العُمرانِ.
العنصر الثاني: الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم وطريقُ العُمرانِ.
العنصرُ الثالثُ: السلفُ الصالحُ والنهوضُ الحضاريُّ.
«العُمرانُ» مفهومٌ قرآنيٌّ أصيلٌ، عليهِ يدورُ الخطابُ القرآنيُّ في العديدِ من قضاياِه ومسائلِه، فإذا كان مفهومُ «التوحيدِ» متعلِّقًا بتصوُّرِ الخالقِ سبحانهُ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: ١٩]، ومفهومُ «التزكيةِ» متعلِّقًا بالرؤيةِ للإنسانِ المستخلَفِ في الأرضِ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: ٩]؛ فإنَّ مفهومَ العُمرانِ يتعلَّقُ بالرؤيةِ لوظيفتِه في الكونِ المستخلَفِ فيهِ لقولهِ تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: ٦]، بما هوَ عُمرانُ الأرضِ بحياةِ الإنسانِ، وعُمرانُ حياةِ الإنسانِ بالخيرِ والصلاحِ.
إنَّ مفهومَ العُمرانِ الذي نتحدَّثُ عنهُ هوَ ذلكَ الواردُ في قولِ اللهِ تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، أي ما يتعلَّقُ بالجانبِ المادِّيِّ من الحياةِ البشريَّةِ، وكلُّ ما تعلَّقتْ بهِ منافعُهم ونظامُ معاشِهم. ومعنى الاستعمارِ في الآيةِ: الإعمارُ، أي جعلكم عامرينَ لها. ومعنى الإعمارِ: أنَّهم جعلوا الأرضَ عامرةً بالبناءِ والغرسِ والزرعِ؛ لأنَّ ذلكَ يُعَدُّ تعميرًا للأرضِ، حتى سُمِّيَ الحرثُ عمارةً لأنَّ المقصودَ منهُ عُمْرُ الأرضِ. وهوَ يدخلُ في معاني الخلافةِ في الأرضِ، بل نجدُ من رادفَهما من المفسِّرينَ وجعلَهما بالمعنى نفسِه: استخلفَكم فيها، وأنعمَ عليكم بالنِّعَمِ الظاهرةِ والباطنةِ، ومكَّنَكم في الأرضِ، تبنونَ وتغرسونَ وتزرعونَ وتحرثونَ ما شئتم، وتنتفعونَ بمنافعِها، وتستغلُّونَ مصالحِها.
وعلى أيَّةِ حالٍ، فإنَّ العُمرانَ من مهامِّ الإنسانِ الكبرى ضمنَ وظيفتِه الاستخلافيَّةِ العامَّةِ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: ٣٠]؛ بمعنى أنَّهُ «الركنُ المكمِّلُ لعمليَّةِ الاستخلافِ، والقيمةُ الحضاريَّةُ الكبرى في الإسلامِ التي تؤطِّرُ حركةَ الاستثمارِ في الكونِ، والتعاملَ مع الأشياءِ وفقَ منهجِ اللهِ في أمرِه ونهيِه… فمهمَّةُ الخلافةِ تقتضي التعميرَ في الأرضِ تعميرًا مادِّيًّا، بالمنشآتِ الصالحةِ، وبالصناعةِ والزراعةِ ومقتضياتِهما، وتعميرَها معنويًّا بإقامةِ العدلِ وإشاعةِ الإحسانِ بينَ الناسِ.
ومن البداهةِ أنَّهُ لكي يتحقَّقَ العُمرانُ بهذا المعنى لا بدَّ أن يتمَّ عبرَ اجتماعِ الناسِ وإقامتِهم واستقرارِهم في مكانٍ وموطنٍ، وتعاونِهم على شؤونِهم، وكذا عبرَ مساحةِ الزمنِ المتمثِّلِ في هذه الحياةِ الإنسانيَّةِ والأعمارِ التي يتمتَّعُ بها الناسُ، وهاتانِ الدلالتانِ ممَّا تتضمَّنهُ مادَّةُ «عَمَرَ» التي استعملَها القرآنُ الكريمُ سبعًا وعشرينَ مرَّةً بصيغٍ مختلفةٍ شاملةً في معانيها ثلاثةَ أبعادٍ متداخلةٍ.
العملُ: بمختلفِ صورِه من غرسٍ وزراعةٍ وصناعةٍ ومنشآتٍ ومؤسَّساتٍ كما تقدَّمَ.
والمكانُ: فالعُمرانُ هوَ الاستقرارُ في مكانٍ محدَّدٍ والتوطُّنُ فيهِ، والتخلِّي عن حياةِ التنقُّلِ في الباديةِ، والرحيلِ من مكانٍ إلى آخرَ، واللجوءِ إلى الفلاحةِ والزراعةِ، وتشييدِ المساكنِ والقصورِ، واتخاذِ المصانعِ لتوفيرِ متطلَّباتِ الحياةِ المستقرَّةِ، وتطويرِ أسبابِها وأدواتِها.
والزمنُ: وهوَ أكثرُ ما استُخدِمَتْ لهُ؛ فالعُمُرُ والعُمْرُ اسمٌ لمدَّةِ عمارةِ البدنِ بالحياةِ. يقولُ تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: ١١].
ولا شكَّ أنَّ مرورَ الزمنِ أمرٌ مطلوبٌ لإنجازِ الأعمالِ وتنفيذِ المهمَّاتِ وتحقيقِ الأهدافِ؛ فمرورُ الزمنِ عنصرٌ في نموِّ الفردِ الإنسانيِّ وتحقُّقِه ببعضِ الخصائصِ، واستكمالِ بعضِ المتطلَّباتِ المادِّيَّةِ والمعنويَّةِ، ومرورُ الزمنِ عنصرٌ في تحقُّقِ المجتمعِ بمستوىً معيَّنٍ من مستوياتِ البناءِ والتشكُّلِ الحضاريِّ.
فهذه المعاني قد احتوتْها آيةُ الاستعمارِ في معناها: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}؛ وجعلكم عُمَّارًا فيها، فكانَ المعنى فيهِ: أسكنَكم فيها أيَّامَ حياتِكم.
وهكذا فإنَّنا يمكنُ أن نعرِّفَ عمارةَ الأرضِ وعُمرانَها من المنظورِ القرآنيِّ بأنَّها: الفعلُ الإنسانيُّ الشاملُ والمتكاملُ الذي يتمثَّلُ في شتَّى صورِ العملِ وأنواعِه من زرعٍ وبناءٍ وتشييدٍ وما إلى ذلكَ، وما يستتبِعُهُ، وما يترتَّبُ عليهِ، وما يعرِضُ لهُ من أحوالٍ، نتيجةَ اجتماعِ الناسِ واستقرارِهم وإقامتِهم على هذه الأرضِ، وفقَ هديِ اللهِ ومنهجِه.
ما أحوجَنا إلى أن يكونَ حديثُنا عن المِهَنِ وكيفَ أنَّها طريقٌ للعُمرانِ.
إنَّ التفوُّقَ العلميَّ في مختلفِ المجالاتِ مطلبٌ شرعيٌّ ووطنيٌّ وإنسانيٌّ، ولا مجالَ لبناءِ دولةٍ قويَّةٍ بغيرِ العلمِ والتفوُّقِ، وخاصَّةً نرى العالمَ اليومَ يتقدَّمُ في جميعِ المِهَنِ بعلمائِه في شتَّى المجالاتِ المختلفةِ، وخاصَّةً واللهُ عزَّ وجلَّ جعلَ العلمَ النافعَ طريقًا موصِلًا لمرضاتِه، وسبيلًا يُوصِلُ إلى كلِّ خيرٍ وبرٍّ وهُدًى. لذا كانَ من دعائِه ﷺ إذا أصبحَ قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا. رواهُ ابنُ ماجهِ.
وللهِ دَرُّ القائلِ:
فَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً
تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ حَالَ شَبَابِهِ
فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ
إنَّ التفوُّقَ العلميَّ سببٌ لتقدُّمِ الأُمَمِ والشعوبِ، وسبيلٌ للنهوضِ في شتَّى المِهَنِ، فلا سعادةَ ولا فلاحَ ولا تقدُّمَ ولا رُقِيَّ إلا بالعلمِ، فبالعلمِ تُبنى الأمجادُ، وتُشَيَّدُ الحضاراتُ، وتَسُودُ الشعوبُ، وتقلُّ الأمراضُ والأوبئةُ.
العلمُ هوَ الركيزةُ العظمى لأيِّ نهضةٍ في قديمِ التاريخِ وحاضرِه، وحيثُ كانتِ النهضةُ كانَ التعليمُ، وحيثُ كانَ التعليمُ كانتِ النهضةُ؛ فكم من أُممٍ نهضتْ في شتَّى المجالاتِ بسببِ تعليمِها، وكم من أُممٍ تقدَّمتْ بسببِ تعليمِها، وكم من أُممٍ تفوَّقتْ بسببِ تعليمِها، وكم من أُممٍ تأخَّرتْ بسببِ جهلِها، وكم من أُممٍ سادَ فيها الظلامُ والأمراضُ والأوبئةُ بسببِ جهلِها.إنَّ منزلةَ العلمِ رفيعةٌ عاليةٌ لا تساويها منزلةٌ من المنازلِ، ولا تقاربُها مكانةٌ من المقاماتِ، وما من إنسانٍ إلا وهو محتاجٌ إلى العلمِ، وكيف لا؟ واللهُ تعالى أخرجَنا من بطونِ أمهاتِنا لا نعلمُ شيئًا، ولا نعرفُ شيئًا. قال ربُّنا: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحلُ: ٧٨). ومن توهَّمَ أنَّهُ بلغَ الغايةَ في المعارفِ والعلومِ، ووصلَ إلى النهايةِ فقد أخطأَ وضلَّ ضلالًا مبينًا، فكلُّ ما عندَ الناسِ من العلومِ والمعارفِ قليلٌ على كثرتِه وتنوُّعِه كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراءُ: ٨٥).
لذا حثَّنا اللهُ جلَّ وعلا على العلمِ، وبيَّنَ منزلةَ العلمِ والعلماءِ، والثوابَ العظيمَ عندَ اللهِ تعالى لأهلِ العلمِ، فقالَ سبحانهُ: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلةُ: ١١).
ولم يأمرِ اللهُ تعالى نبيَّهُ صلى اللهُ عليه وسلم بالاستزادةِ من شيءٍ إلا من العلمِ، فقالَ لهُ سبحانهُ وتعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: ١١٤). وما ذاكَ إلا لما للعلمِ من أثرٍ في حياةِ البشرِ، فأهلُ العلمِ هم الأحياءُ، وسائرُ الناسِ أمواتٌ.
والعلمُ ميراثُ الأنبياءِ والرسلِ، ففي صحيحِ البخاريِّ تعليقًا والسننِ الأربعةِ قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ.
بلِ العلمُ يبقى، والمالُ يفنى، كما في صحيحِ مسلمٍ عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.
وسُئلَ أحدُ السلفِ: أَجَمْعُ المالِ أفضلُ أم جمعُ العلمِ؟ فقالَ: بل جمعُ العلمِ؛ لأنَّ المالَ ينقصُ بالإنفاقِ، والعلمَ يزدادُ، ولأنَّ من جمعَ العلمَ يزدادُ أحبَّاؤهُ، ومن جمعَ المالَ يزدادُ أعداؤهُ. العلمُ خيرٌ من المالِ، العلمُ يحرسُكَ وأنتَ تحرسُ المالَ.
لذا علَّمَنا الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم أنَّهُ لكي ننهضَ بالعمرانِ علينا بالعلمِ وأدواتِه من القراءةِ والكتابةِ.
والقلمُ هو أوَّلُ ما نزلَ عليهِ من القرآنِ الكريمِ، فقد كانَ أوَّلُ خطابٍ لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عن طريقِ الوحيِ قولَ اللهِ تعالى:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)» (العلقُ). فالقراءةُ وسيلةٌ من وسائلِ العلمِ. وخَلْقُ الإنسانِ من عَلَقٍ حقيقةٌ علميَّةٌ لم يصلْ إليها العلماءُ إلا في العصورِ الحديثةِ. والقلمُ أداةٌ من أدواتِ العلمِ.
وتعليمُ الإنسانِ ما لم يعلمْ فتحٌ لآفاقِ العلمِ والبحثِ والنظرِ.
لقد دعا القرآنُ إلى العلمِ بمختلفِ مناهجِه وموضوعاتِه في أكثرَ من سبعمائةٍ وخمسينَ آيةً من آياتِه الكريمةِ، كما دعا إلى التفكيرِ والبحثِ والنظرِ والتأمُّلِ في ظواهرِ الكونِ في عشراتِ الآياتِ، بهدفِ التعرُّفِ على هذه الظواهرِ ومحاولةِ تحديدِ السُّننِ والنواميسِ التي تحكمُها.
لقد فرَّقَ الإسلامُ بين العلمِ باعتبارِه قيمةً تُحدِّدُ قدرَ الإنسانِ عندَ اللهِ وعندَ الناسِ، وبين الجهلِ، حيثُ قالَ تعالى: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (المجادلةُ: ١١).
العنصر الثاني: الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم وطريقُ العُمرانِ.
علَّمَنا الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم أنَّ مشاكلَ الدنيا كلَّها يمكنُ حلُّها من خلالِ العلمِ.
حلَّ مشكلةَ التخطيطِ في السياسةِ الاقتصاديَّةِ كما هو واضحٌ من خلالِ الخطةِ الخمسَ عشريَّةِ من قصةِ يوسفَ الصديقِ عليهِ السلامُ، وكيفَ كانتْ هذه الخطةُ سببًا في إنقاذِ مصرَ وما حولَها من الأقطارِ من مجاعةٍ مهلكةٍ:
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسفُ: ٤٧–٤٩).
استخدمَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم أسلوبَ الإحصاءِ، علمَ الإحصاءِ الذي يُدرَسُ اليومَ في كليَّاتِ التجارةِ، المخترَعُ لهُ محمدٌ صلى اللهُ عليه وسلم وليسَ الغربُ، فمنذُ عهدٍ مبكِّرٍ من حياةِ المسلمينَ في المدينةِ والرسولُ يستخدمُ هذا العلمَ.
فقد روى البخاريُّ أنَّهُ صلى اللهُ عليه وسلم بعدَ الهجرةِ أمرَ بعضَ الصحابةِ أن يُحصوا لهُ عددَ الذين دخلوا في الإسلامِ، فأحصوهم، وكانَ تعدادُهم في ذلكَ اليومِ ألفًا وخمسمائةٍ.
إقرارُهُ صلى اللهُ عليه وسلم لمبدأِ التجربةِ في الأمورِ الدنيويَّةِ والأخذِ بنتائجِها وإن كانتْ مخالفةً لرأيِه صلى اللهُ عليه وسلم، كما وقعَ في حادثةِ تأبيرِ النخلِ، وقالَ لهم صلى اللهُ عليه وسلم: أنتم أعلمُ بأمورِ دنياكم.
حلَّ الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم في المسجدِ مشكلةَ الصناعةِ ودورِها في الحياةِ، حتى إنَّهُ شرحَ لهم أنَّ رُسلَ اللهِ كانوا أصحابَ حِرَفٍ وصناعاتٍ.
فنوحٌ شيخُ المرسلينَ يصنعُ السفنَ، وإبراهيمُ وإسماعيلُ بناءانِ يرفعانِ القواعدَ من البيتِ، وداودُ يصنعُ الدروعَ ويُلينُ لهُ الحديدَ، وذو القرنينِ يُقيمُ السدَّ العظيمَ من الحديدِ والنحاسِ المذابِ.
وكانَ أحمدُ شوقي رحمهُ اللهُ يقولُ في مدحِه:
وإذا خطبتَ فللمنابرِ هزَّةٌ تَعْرُو النَّدى وللقلوبِ بكاءُ
يا أيُّها الأُمِّيُّ حسبُكَ رتبةٌ في العلمِ أن دانتْ لكَ العلماءُ
معنى كلامِه: إذا خطبتَ يا رسولَ اللهِ فإنَّ الناسَ في المسجدِ بينَ باكٍ ومتأوِّهٍ؛ لأنَّ كلامَهُ كانَ يخرجُ من قلبِه، كانَ كلامُهُ الصدقَ، لم يكنْ عندَهُ ألغازٌ ولا أحاجي ولا ألغامٌ ولا عُقَدٌ، فكانَ إذا خطبَ حرَّكَ القلوبَ وأنهضَ المشاعرَ.
ولهذا قالَ «جولدزيهر» المستشرقُ المجريُّ اليهوديُّ: واللهِ أنا لا أَعجبُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ من عندِ اللهِ إلى الناسِ، فقد بعثَ اللهُ من قبلِه رسلًا إلى قومِهم، وأنبياءَ إلى أهلِهم، إنما أَعجبُ أشدَّ العجبِ أنَّ هذا الرجلَ كانَ أُمِّيًّا ما درسَ في مدرسةٍ، ولا تعلَّمَ في جامعةٍ، ولا كانَ في بلدٍ فيها حضارةٌ. كانَ صلى اللهُ عليه وسلم يخطبُ في المسجدِ، وكانَ يُعلِّمُ في المسجدِ، وفي المسجدِ ظهرتِ الأُمَّةُ، والأئمَّةُ الكبارُ.
العنصرُ الثالثُ: السلفُ الصالحُ والنهوضُ الحضاريُّ.
إنَّ سلفَنا الصالحَ حينما امتهنَ المِهَنَ وسارَ في طريقِ العُمرانِ، ارتفعَ شأنُ الأُمَّةِ، فنهضتْ وارتفعَ شأنُها، وعلا قدرُها.
«بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ» مشى أكثرَ من خمسةِ آلافِ كيلومترٍ على قدميهِ لطلبِ العلمِ، فقد رحلَ الإمامُ «بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ» على قدميهِ من الأندلسِ إلى بغدادَ، وقطعَ مسافةَ أكثرَ من خمسةِ آلافِ كيلومترٍ ماشيًا على قدميهِ، لأجلِ ملاقاةِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رحمهُ اللهُ، وطلبِ العلمِ.
قالَ «بَقِيٌّ»: فلمَّا اقتربتُ من بغدادَ وصلَ إليَّ خبرُ محنةِ الإمامِ أحمدَ، وعلمتُ أنَّهُ ممنوعٌ من الاجتماعِ بالناسِ وتدريسِهم، فاغتممتُ لذلكَ كثيرًا.
فلمَّا وصلتُ إلى بغدادَ وضعتُ متاعي في غرفةٍ، ثم خرجتُ أبحثُ عن منزلِ أحمدَ بنِ حنبلٍ؛ فدُلِلتُ عليه، فطرقتُ البابَ، ففتحَ لي البابَ الإمامُ أحمدُ نفسُهُ، فقلتُ: يا أبا عبدِ اللهِ، رجلٌ غريبُ الدارِ، وطالبُ حديثٍ، ومقيَّدُ سُنَّةٍ، ولم تكنْ رحلتي إلا إليكَ، فقالَ لي: ادخلْ ولا يراكَ أحدٌ. فسألني وقالَ: أنا ممتحنٌ وممنوعٌ من التدريسِ والتعليمِ، فقلتُ له: أنا رجلٌ غريبٌ؛ فإن أذنتَ لي آتيكَ كلَّ يومٍ في لباسِ الفقراءِ والشحَّاذين، وأقفُ عندَ دارِكَ، وأسألُ الصدقةَ والمساعدةَ؛ فتخرجُ إليَّ، وتحدِّثُني ولو بحديثٍ واحدٍ.
يقولُ «بَقِيٌّ»: فكنتُ آتي كلَّ يومٍ، فأقفُ على البابِ وأقولُ: الأجرَ رحمكمُ اللهُ، فكانَ أحمدُ يخرجُ إليَّ ويُدخلُني الممرَّ، ويحدِّثُني بالحديثينِ والثلاثةِ وأكثرَ، حتى اجتمعَ لي قُرابةُ ثلاثِ مائةِ حديثٍ. ثم إنَّ اللهَ رفعَ الكُربةَ عن الإمامِ أحمدَ، وانتشرَ ذكرُهُ، فكنتُ إذا أتيتُ الإمامَ أحمدَ بعدَ ذلكَ وهو في حلقتِه الكبيرةِ، وحولَهُ طلابُ العلمِ، كانَ يُفسحُ لي مكانًا، ويقرِّبُني منه، ويقولُ لأصحابِ الحديثِ: هذا يقعُ عليه اسمُ طالبِ العلمِ.
الإمامُ الذهبيُّ. سيرُ أعلامِ النبلاءِ: (٢٩٢/١٣).
اللهمَّ رُدَّنا إليكَ ردًّا جميلًا يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ احفظْ مصرَ وأهلَها من كلِّ سوءٍ وشرٍّ يا ربَّ العالمينَ.
أ. د. عبد الغني الغريب
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف







